موت الأسرار
“ولأن البشر بطبيعتهم كائنات اجتماعية؛ فالصحبة والتشارك في ملابسة التجارب والأحداث مع الآخرين تحتل موقعًا استراتيجيًّا في تكوينهم النفساني، فمعظم المتع واللذات لا تطيب إلا بصحبة من نُحب، كما هي الحال حين يقرأ المرء كتابًا بديعًا أوقصيدة جميلة فإن فرحه بجمالها ينقص إن لم يشاركه أحد، ويزيد ويتعاظم إذا قرأها مع غيره، لا سيما ممن يتذوق هذا اللون من الملاذّ..” صـ ٢٧٦موت الأسرار
في أربعة فصول حاك الدكتور عبدالله الوهيبي إضاءات فكرية ممتدة على ٥٧٢ صفحة موثقة بالمراجع، تحت عنوان «موت الأسرار»، حيث نسج دراسة تحليلية حول نشأة السر في الحياة البشرية.
يسلط الكاتب الضوء على العلاقة بين الفرد والكبت والإفصاح عن الأسرار، مبينًا انعكاسها على حالته النفسية والاجتماعية، كما يناقش الحاجة البشرية للإفصاح أو التعري، الذي نشأ وفق دراسات غربية تهدف إلى تحقيق التعافي بالكلام، ويستعرض كيف تطورت هذه الفكرة حتى حققت أهدافها في بعض المواضع، لكنها فقدت توازنها في أخرى.
وبين الحاجة الفطرية للإفصاح والإيجابيات التي قد تنعكس على الفرد، وبين المبالغة التي أفرغت الفكرة من محتواها، يبرز ضوء الإسلام بوسطيته، موجهًا السلوك البشري نحو توازن يضبط الحاجة ولا يطمسها، كما يوضح الدكتور الوهيبي في مواضع عدة منها ما ذكره في صفحة ٣٨٠
“وقد أدرك ذلك فقهاء الشريعة ونُظَّار الإسلام، فقد علموا أن الشرع لم يأتِ بمحو الطبائع ولا جاء بإعدام النوازع، بل ورَد بتهذيبها وتشذيبها وضبطها، وقد توهَّمت بعض الطوائف أن المقصود من المجاهدة قمع صفات النفس كالشهوة والغضب وحب التملُّك بالكُليّة ومحوها وهيهات، بل المطلوب ردُّها إلى الاعتدال الذي هو وسطٌّ بين الإفراط والتفريط”
كتاب موت الأسرار يُقرأ على مهل، ثري معرفيا، وممتلئ بالاقتباسات المختلفة، لا يمكن اختزاله في أسطر قليلة، يعد رحلة فكرية عميقة تسبر أغوار النفس البشرية في تعاملها مع السر، بين الكتمان والإفشاء، مقدّمًا رؤية متزنة تجمع بين التحليل النفسي والتأصيل الديني، أبانت لي متانته العلمية
أبعاد الأذى الذي يلحق بالفرد حين لا تُشبع حاجاته من مواردها الحقيقية، فيبحث عنها في مصادر مسمومة أو مشوهة أو يشوبها بعض الخلل
يندرج الكتاب تحت جناحي علم النفس والفلسفة، فقد رتبت أسطره بعناية، مع موازنة دقيقة بين الدراسات العلمية ورأي الكاتب المستند إلى الهوية الإسلامية
هو مادة علمية أذاب عنها المؤلف تشابك الخيوط المعلوماتية وأبانها في هرم متسلسل، يجد القارئ نفسه بين أرفف مكتبات وعقول علماء عدة، مستمتعًا بلغة معرفية أرى أنها ضرورة لكل مربي وبالغ.
كتبته/ أحلام الشريف
1444-8-2