مسألة موت وحياة

6

احتجت إلى عدد لا بأس به من المناديل، وبعد أن تجاوزت عددا من الصفحات تمنيت أنني لم أبتع الكتاب! لمحاكاته لتجربة مشابهة عشتها.

،،،

“مسألة موت وحياة” كتاب يسرد على مدار صفحاته الثلاثمئة واثني عشر مزيجًا هائلًا من المشاعر والتأملات، يوميات تسجل رحلة زوجين، إرفين يالوم الطبيب النفسي الشهير وزوجته مارلين يالوم الباحثة في الأدب المقارن، اللذين شاخا معًا وواجها مرضًا عضالًا غيّر مسار حياتهما.
تُكتب فصول الكتاب الخمسة والثلاثون بالتناوب بينهما، يوثقان تجربتهما في مذكرات يومية بصفتهما زوجين وكاتبين،

ويقول إرفين عن مارلين بنبرة مبتهجة بعد إصدارها كتابها الأول: “منذ ذلك الحين، أصبحنا زميلين في الكتابة.”

يبدأ إرفين الفصل الأول بالحديث عن نشأة الكتابة التشاركية بينه وبين مارلين، ثم يغوص في الفصول الخاصة به فيما يلي بين تأملاته العميقة حول مرض زوجته وآثاره عليه، والتغييرات التي أصابت ذاكرته بحكم تقدمه في السن، وشكوكه حول استمرارية عمله وتواصله مع مرضاه، إلى جانب خوفه الأزلي من الموت، الذي تضاعف بعد مرض زوجته التي تمثل ملاذه العاطفي،

في نهاية صفحة 103، يكتب:
“إنما ينبثق رعبي من فكرة أنني سأعيش بدون مارلين.”

شعور الوحدة والخوف كان اللغة البارزة في يومياته، رغم محاولاته بالاستمتاع بالحاضر واستحضار ذكرياتهما المشتركة

إلا أنه يُفصح بصوت قلق في نهاية صفحة 118:
“حياة مليئة بالحب مع مارلين حمتني من الشعور بوحدة العزلة العميقة، وجزء كبير من ألمي الحالي ناجم من العزلة المتوقعة.”

إرفين، الذي عاش 88 عامًا مع مارلين البالغة 87 عامًا، لم يستطع تخيل الحياة دونها. كانت بالنسبة له عكاز توازن أمام ما تبقى من عمره مع ” العلبة الحيوية” الاي أصبحت ترافقه مؤخرا.

أما مارلين تدون يومياتها التي تتقاسمها مع إرفين والعائلة، وكيف كانت الرابطة العاطفية بينهما بمثابة جرعات دوائية ساهمت في صمودها أمام مرارة مرضها والبقاء على قيد الحياة، وتصف ساعاتها بين جلسات العلاج، ومشروعها الأدبي “شهود أبرياء”، وتسجيل يومياتهما التي أصبحت نواة هذا الكتاب المشترك.
بامتنان تتحدث عن مدى قيمة دعم العائلة والأصدقاء، وتتبادل نقاشاتها مع إرفين حول قرارها المصيري بين اختيار الموت أو الحياة كلما أرقها الألم، وكان كل ما يتمناه إرفين ألا يتحول موتها إلى خيار أو حقيقة، أن تبقى فقط!

المذكرات يعلوها لغة عاطفية، تتناول الذكريات، والتجارب ، وتكشف أيضًا عن قلق وجودي يسيطر عليهما، خاصة مع عدم إيمانهما بحياة ما بعد الموت.
هذا الفناء النهائي كان مصدرًا دائمًا للخوف لإرفين، الذي قضى حياته المهنية يدعم مرضاه نفسيًا، لكنه بدا عاجزًا أمام معاناته الشخصية حين واجه القصص ذاتها في حياته.

هنا يظهر الفارق بين الإيمان وعدمه، الإيمان بالله وإدراك معنى الحكمة من الموت والحياة يمنح الطمأنينة،

فالموت في رؤية المؤمن ليس نهاية بل بداية لحياة خالدة.

هذا الإيمان يخفف من وطأة القلق الذي واجهه الزوجان، ويقدم بديلًا يحمل الأمل والسكينة.

“مسألة موت وحياة” بأسلوب بسيط وشفاف يفتح الكتاب نافذة على تجربة شخصية عميقة، وكيف يمكن للحب والعلاقة الإنسانية أن تكون ملاذًا أمام أقسى التحديات بعد الإستعانة بالله، ويخبرنا عن القوة التي يمكن أن نجدها داخلنا، وفيمن نحب؛ حينما نحب.
كتبته/ أحلام الشريف
1446-7-18

6 تعليقات
  1. بلسم يقول

    جميلٌ هذا الاختيار والانتقاء
    وهكذا هي الحياة ، مليئة بمن يشبهون حكايانا

    1. ahlam يقول

      والأجمل هذه المشاركة منكم🙏🏼

  2. سرمديه يقول

    أولا الحمدلله الذي جعلنا مسلمين. وكما جعلت لنا الإسلام دينا دون جُهدٍ منا إجعل الفردوس الأعلى لنا مستقراً ومُقاماً •••
    وكالعادة وأنا أقرأ السطور أنزل تحت أشوف قد ايش باقي عشان لايخلص🥲

    1. ahlam يقول

      الله يسعدك🙏🏼
      كالعادة تفوز تعليقاتك 🥰

  3. أحلام خالد يقول

    جميل جدًا تعقيبك على الكتاب 😍 تحمست لقراءته ومعرفة المزيد عن الزوجين المكلومين 🙏🏻 بورك قلمك عزيزتي .. استمري ✨

    1. ahlam يقول

      سلمت، وممتنة 🙏🏼

اترك ردًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.