بين الشجاعة والجرأة
مرحباً..
في وقتٍ ما، كاد يقنعني العالم أن الشفافية مبتذلة، وأن للمصداقية ثمنًا باهظًا، وأن في المسؤولية تكلُّفًا يُدين صاحبَه بتبعاتٍ مرهقة تجوز له معها التخلّي عن الواجبات، وتفشّت حُمّى الصمت المريب الذي انتهك جلال الوضوح، فأصبحت عاديةً مُسلَّمًا بها، أذابت الأمانة، وكادت المبادئ السامية أن تُتَّهَم بأنها سامة!
وبالرغم من هذا الارتباك العارض بين الإنسان والمبادئ، لا زلت قابضةً على الوضوح والمصداقية بكفَّيَّ، كلما صافحتُ روحًا ألقيتُ عليها السلام مني، وبقيتُ على حذرٍ منها، وبدأ الشك يُخالج روحي: هل في التمسك بالإنسانية وأبسط معانيها مبالغة؟
إلى أن وقعت بين يدي ستُّ لآلئ فاتنة نقشت الجسارةُ أحرفَها، تتباهى بانتمائها إلى موطنها الإسلامي الذي يجمع بين السموِّ طينًا والحزمِ حدودًا احتضنتها حقيبة معنونة بالحوكمة
ألان كاتبُها الكلمةَ للمختص والعامة، حيث تخدم كلَّ كيانٍ تحت مظلةٍ محليةٍ وعالمية، ما بين قطاعاتٍ خاصةٍ وعامة.
ضمّت تلك الحقيبة ستةَ مجلداتٍ دُوِّنت صفحاتُها على مهلٍ لدراسةٍ تأسيسيةٍ في مفهومها ونشأتها ومبادئها، ونُقش على بياض صفحاتها سموَّ المعاني في عالم القانون، حيث لا يستقيم للمنشآت القوامُ الرشيق إلا بها، وتهب من يعمل بها سمعةً لافتة، وجودةً حقيقيةً لامعة، وجاذبيةً لا يضرّها تقلّب صروف الحياة، ولا تمسّها أيدٍ لوّثتها الخيانة أو التدليس، كما أنها تضمن استمرارية النمو الجيد بعد الاستعانة بالله.
جسّدت كلمة الحوكمة قصةَ الجودة الشخصية للفرد والجماعة والمؤسسة، حيث تُعدّ منارةً يُهتدى بها عند البداية، وأثناء الرحلة، وحتى النهاية؛ لا أنوي أن أختزل وهج ما كُتب عنها في مقالة
ولكن الذي أردت أن يتشرّبه الذهن ويعيه القلب هو: كيف تأبى الإنسانية الارتقاء، وكل ما كان تحت تصرفها إلا بلبنات منها: الشفافيةُ تمنحك الأمان، والعدالةُ تبني الثقة، والمسؤوليةُ توقظ الوعي والالتزام، والمصداقيةُ لا تتسع لظلال الزيف، والمساءلةُ محكُّ الإنصاف من النفس، والأمانةُ ضمان، وتبقى النقطة الجوهرية مبدأَ تصحيح المسار؛ لأن الإصرار على الخطأ والخلل خسارةٌ أخلاقية وانهيارٌ مجتمعي.
لم تكن صفحاتًا قانونيةً جامدة؛ إنما سحابةَ هَتّانٍ سقت ما استنكرته الأيام، فأينعت ثباتًا شامخًا لأخلاقياتٍ لا يتمثّلها إلا من يتحلّى بالشجاعة والجرأة، فهي لا تليق بالجبناء!
يا صديقي، أنت بقدر ما ترتديه من الإنسانية
دمتم في رقي وتألق
كتبته/ أحلام الشريف
1448-2-25